سيد محمد طنطاوي

433

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الموانع والصوارف ، التي منعتهم وصرفتهم عن الدخول في الدين الحق ، الذي جاءتهم به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ، وهذا لا يمنع أن هناك صوارف أخرى حالت بينهم وبين الإيمان كالحسد والعناد . قال صاحب الكشاف : والمعنى . وما منعهم من الإيمان بالقرآن ، وبنبوة النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلا شبهة تلجلجت في صدورهم ، وهي إنكارهم أن يرسل اللَّه البشر . والهمزة في * ( أَبَعَثَ اللَّه ) * للإنكار ، وما أنكروه فخلافه هو المنكر عند اللَّه - تعالى - لأن قضية حكمته ، أن لا يرسل ملك الوحي إلا إلى أمثاله ، أو إلى الأنبياء » « 1 » . والمتدبر في القرآن الكريم ، يرى أن هذه الشبهة - وهي إنكار المشركين كون الرسول بشرا - قد حكاها في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ . . . « 2 » . وقوله - تعالى - : ذلِكَ بِأَنَّه كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا ، فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا ، واسْتَغْنَى اللَّه ، واللَّه غَنِيٌّ حَمِيدٌ « 3 » . ومما لا شك فيه أن هذه الشبهة تدل ، على أن هؤلاء الكافرين ، لم يدركوا قيمة بشريتهم وكرامتها عند اللَّه - تعالى - ، وذلك بسبب انطماس بصائرهم ، وكثرة جهلهم ، وعكوفهم على موروثاتهم الفاسدة . ولذا أمر اللَّه - تعالى - بأن يرد عليهم بما يزهق هذه الشبهة فقال - سبحانه - * ( قُلْ لَوْ كانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ ، لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ) * . والمعنى : قل - يا محمد - لهؤلاء الجاهلين : لو ثبت ووجد ملائكة في الأرض ، يمشون على أقدامهم كما يمشى الإنس ، ويعيشون فوقها * ( مُطْمَئِنِّينَ ) * أي : مستقرين فيها مقيمين بها . لو ثبت ذلك ، لاقتضت حكمتنا أن نرسل إليهم من السماء ملكا رسولا ، يكون من جنسهم ، ويتكلم بلسانهم ، وبذلك يتمكنون من مخاطبته ، ومن الأخذ عنه ، ومن التفاهم معه لأن الجنس إلى الجنس أميل ، والرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم ، فلو كان المرسل إليهم ملائكة ، لكان الرسول إليهم ملكا مثلهم ، ولو كان المرسل إليهم من البشر ، لكان الرسول إليهم بشرا مثلهم .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 499 . ( 2 ) سورة يونس الآية 2 . ( 3 ) سورة التغابن الآية 6 .